كميت بن زيد الأسدي ( جمع داود سلوم )

36

شعر الكميت بن زيد الأسدي

النفس ، وهو قد وقف مع الحيوان واصفا له ، ومحللا لدوافعه الغريزية أكثر مما وقف على تحليل نفسية أي خليفة أو أمير أو أية شخصية إنسانية ، فهو قد استجاب للطبيعة اّكثر من استجابته للحياة المدينة ولبني البشر ، ووصف الحيوان أكثر مما وصف من أخلاق الناس ، ممن حوله ، فحبه للحيوان يفوق حبه للإنسان ، وان ملاحظته القريبة ودقة وصفه للحيوان يجعل الاستجابة لهذا الشعر أكثر وأعمق من استجابتنا لشعر المدح الرسمي الباهت ولما فيه من مواقف النفاق والتكلف والصنعة . وهو قد وصف الحيوان من ناحيتين : الأولى : وصف نفسيته ورفعه بهذا إلى مستوى العبرة والاعتبار والتأمل في حياته وظروفه على أن فيهما ما يماثل حياة وظروف الانسان ، ويمكن استنباط الشاهد والمثل منهما ، ولعل هذا هو أجود أشعار الوصف للطبيعة عنده . الثانية : الوصف الخارجي للحيوان أو بيئته وهيئته . والغريب أن شعر الوصف للحيوان في شعر الكميت أبين وأوضح وأظهر من وصفه للحياة النباتية ، والتعليل لذلك أنه عاش أكثر حياته في بيئة صحراوية أو شبه صحراوية يفتقد فيها الشجر والنبات ولا يفتقد فيها الحيوان ، وبذلك يكون قد صدر صدورا طبيعيا بدون تكلف أو تعمل ، واستجاب للبيئة التي يحياها دون أن يتعمد خلق تجاربه ويموه إحساسه . وهو في وصفه للحيوان قد كان ينفذ إلى أعمق مشاعره الغريزية ، وإحالة شعوره إلى شبه شعور انساني ، وتمكن من استحداث العطف والشفقة لا شد هذه الحيوانات ضراوة في حالات ضعفها . فهو يصف هنا ذئبا لقيه في سفره في الصحراء وكان الذئب كبير السن ضعيفا : لقينا بها ثلبا ضريرا كأنه * إلى كل من لاقى في الناس مذنب مضيعا إذا أثرى ، كسوبا إذا عدا * لساعته ما يستفيد ويكسب